الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

38

تفسير كتاب الله العزيز

قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً : أي لا يشفع أحد يوم القيامة إلّا بإذنه ، أي : يأذن لمن يشاء من الملائكة والأنبياء والمؤمنين أن يشفعوا للمؤمنين فيشفّعهم فيهم « 1 » ، لا لمعنى قد وجب ، فتعالى اللّه . قوله : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 44 ) : أي يوم القيامة ، أي : لا يملك في السماوات والأرض غيره ، ثمّ ترجعون إليه في الآخرة . قوله : وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ : أي انقبضت قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ : وهم المشركون وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ : يعني أوثانهم إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 45 ) ، حين قرأ عليهم بمكّة سورة والنجم ، وألقى الشيطان على لسانه حيث انتهى إلى قوله : أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ( 20 ) [ النجم : 19 - 20 ] : لهنّ الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهم لترتجى ، ففرح المشركون بذلك ؛ وهو قوله : ( وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون ) « 2 » . قوله : قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي السرّ والعلانية أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ يعني المؤمنين والمشركين فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 46 ) : فيكون حكمه فيهم أن يدخل المؤمنين الجنّة ويدخل المشركين النار « 3 » .

--> ( 1 ) في ع : « فيشفّعهم بينهم » وأثبتّ ما جاء في ز ، وهو أصحّ . ( 2 ) انظر فيما سلف ، ج 3 ، تفسير الآيتين 52 - 53 من سورة الحجّ ( التعليق ) . ( 3 ) هذا ، وإن كان سياق الآيات يشير إلى الاختلاف الذي كان قائما بين المؤمنين والمشركين ، كما ذهب إليه جمهور المفسّرين ، إلّا أنّ الآية تتناول أيضا كلّ اختلاف وقع أو يقع بين المؤمنين أنفسهم في كلّ زمان ومكان ، فكلّهم عباد اللّه . وقد اشتدّ في عصرنا هذا اختلاف المسلمين فيما بينهم ، واستفحل أمره ، فجرّ عليهم بلايا وفتنا فرّقت وحدتهم ، ومزّقت صفوفهم ، وأشعلت نيران الحروب بينهم ، فصارت الأمّة الإسلاميّة غرضا لكلّ رام ، وطعمة سائغة لكلّ معتد غاصب . ولو أنّ المسلمين اتّقوا اللّه وأصلحوا ذات بينهم ، ونبذوا الخلاف الذي احتدّ بينهم ، فحكّموا كتاب اللّه وسنّة نبيّه عليه السّلام فيما شجر بينهم ، لكانوا سادة الدنيا ، ولأفادوا العالم بالنور المبين الذي أنزل عليهم ، ولعاشوا في أوطانهم آمنين . فاللهمّ اهدنا لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك ، فإنّك أنت الهادي ، وإنّ هداك هو الهدى ، وإنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم .